الأحد، 1 يونيو 2008

المحاورة الثانية: الفروق الفردية وتكافؤ الفرص

معلم أ:

في بلادنا بلاد الخير والفرص الواسعة، أرى أنه من الضروري أن تعطى الفرصة كاملة للناس- من خلال النظام التعليمي – لتطوير وتنمية أنفسهم إلى الحد الذي تسمح به قدراتهم الذاتية. ذلك أن تطوير وتنمية أفراد متميزين جداً سيؤدي ضرورة إلى تنمية عامة للمجتمع، أليس كذلك؟ لذا، فإنه من الواجب على المدارس أن تجد طرقا لاكتشاف المواهب الخاصة- والمختلفة ضرورة- لكل فرد ومن ثم تنميتها وتطويرها. ليس من الصحيح أن نضيع أوقاتنا محاولين أن نعطي كل الطلبة كل شيء، إنه ليس فقط هدرا للطاقات وسوء استخدام للموارد، بل يدخل كذلك في دائرة الظلم أن تدرس وتضغط على بعض الطلبة الذين لا يتمتعون بالموهبة – لنقل موهبة فنية أو علمية على سبيل المثال- ليكافحوا وينافسوا زملاءهم ذوي الموهبة في هذه المجالات. ألا يعتبر أكثر إنسانية، وأكثر نفعاً للمجتمع ككل، أن نجنب الطلبة غير الموهوبين في المجالات الفنية أوالعلمية البحتة من إلزامية دراسة المقررات المتقدمة في هذه التخصصات؟ لندع كل واحد يدرس المقررات الأنسب لميوله واستعداداته.

معلم ب:

لقد قدمت عرضا مقنعا، ولكن في الاتجاه الخاطئ من وجهة نظري. كيف بإمكاننا أن نحدد للفرد "المقررات الأنسب لميوله واستعدادته" على حد قولك؟ أظن أنه من الخطأ أخلاقياً أن نحدد للناس مسبقا ميولهم واستعداداتهم. على العكس، أرى أنه من الواجب علينا أن نسمح للناس ونعطيهم الفرصة لإظهار قدراتهم ومواهبهم. هذا لن يخصل إلى إذا قدمنا للطلبة جميعاً نوعاً من التعليم "العام" الغني والعميق معرفياً. نعم من المفترض أن ندع مجالاً للتخصص ولتطوير المواهب والقدرات الفردية في مرحلة التعليم العالي وبصفة جزئية كذلك، أما التخصصية الكاملة في مجال علمي أو أدبي أو فني معين فتكون في مجال العمل لاحقا، أو من خلال المدارس والمعاهد المتخصصة. هذا ما يمليه مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية.

معلم أ:

من الغريب أن تتحدث عن عدم أخلاقية التصنيف المسبق للطلبة، وأنت تقوم بذلك! أنت تعامل الناس وكأنهم جميعاً متساوون في قدراتهم واستعداداتهم، وكأنك بطريقة أخرى تستطيع أن تحدد ما يناسبهم جميعاً ويكون في دائرة ميولهم واهتماماتهم. أما مبدأ تكافؤ الفرص فيعني أن توفر التعليم الذي يناسب وينمي المواهب الخاصة بكل طالب. لدينا الآن الكثير من الاختبارات الموضوعية والدقيقة التي تساعدنا على التعرف على الاستعدادات الخاصة بكل فرد بجميع أنواعها. ففي الوقت الذي يعتبر فيه اختبار الذكاء العام (IQ test) واحداً من أفضل المقاييس في هذا الباب، فالمقاييس الأخرى كذلك توفر لنا القدرة لتمييز المواهب الفنية والأدبية من المواهب العلمية، بين الاستعداد للمهارات العقلية أو اليدوية، بل بإمكاننا –بفضل مثل هذه المقاييس الموضوعية – أن نختبر العوامل الشخصية المقابلة لجميع أنواع الشخصيات الافتراضية وما يناسبها من أعمال ووظائف مستقبلية. في الواقع، فإن قدراتنا لفحص وتصنيف الطلبة تزداد صدقاً وموضوعية كل عام، مع التطور المستمر لعلم القياس والتقويم، وما يقوم به العلماء في هذا المجال من تحسين مستمر لأدواتهم ومقاييسهم.

معلم ب:

لنقل جدلاً أن هذه المقاييس أفضل وأكثر موضوعية الآن، لكن هل هي جيدة لدرجة كافية لنعتمد عليها في تصنيف الطلبة واستعداداتهم وقدراتهم كما تصنف الأنعام؟! إن مجرد خطأ واحد في التصنيف أو حرمان شخص من فرصة التعلم في مسار معين وتسييره في مسار آخر يعد خطيئة كبيرة في حق هذا الفرد من الممكن أن تغير مسار حياته كاملاً. إذا لم يكن باستطاعتنا أن نكون واثقين تماما – وهيهات- من موضوعية هذه الاختبارات والمقاييس، إذاً فلا يحق لنا تصنيف الطلبة وتسييرهم في مسارات متفاوتة بناءً على نتائجها. وعلى فرض أن درجة صدق هذه الاختبارات قد بلغت 100%، لماذا نحن في حاجة إلى مقاييس "موضوعية" تتحكم في مستقبل الأفراد؟ هل نحن متأكدون من صحة المعايير التي بنيت عليها هذه المقاييس؟ حتى تصنيف الطلبة إلى مجموعة قراءة في المدارس الابتدائية حسب مستوياتهم – وهي وسيلة في غاية الشروع في مدارسنا- في حاجة إلى مراجعة، ذلك أننا نصنف الطلبة وذلك في كثير من الأحيان ينعكس في كونهم يتعايشون مع توقعاتنا منهم أياً كانت عالية أو منخفضة. فعندما نسم بعضهم بمنخفضي الأداء أو ضعاف التحصيل، فهم بسبب ذلك لا يحصلون على فرصة مكافئة لتلك التي حصل عليها زملاؤهم مما يبقيهم في كثير من الأحيان عند مستوى توقعاتنا منهم. توفير الفرص يعني إبقاء أكثر الخيارات مفتوحة لكل واحد من الطلبة لأطول فرصة ممكنة.

معلم أ:

في الوقت نفسه الذي أحس فيه بحرقة قلبك وأثمنها، إلا أني أراها لسوء الحظ متوجهة إلى الناحية الخطأ. توفير الفرص يعني إعطاء كل طالب الفرص لإظهار استعداداته. ولكنها مسؤولياتنا نحن - كتربويين- أن نكتشف هذه الاستعدادات ونقيسها بأكثر الطرق موضوعية وعدالة، ومن ثم نضع كل طالب في المسار الذي تنتمي له استعدادته، حيث يحقق أكثر فائدة له ولمجتمعه. لماذا لدينا مدارس من أصله إذا كنا لا نؤمن بأن الطلبة في حاجة إلى توجيه؟ ربما كان الأمر صعباً، بل لا أزعم أن مقاييسنا وأدواتنا في الغاية من الدقة والموضوعية، ولكن يبقى التعليم المتخصص الموجه بحسب الاستعدادات والميول هو الطريق الأذكى، والأعدل والأكثر كفاءة خصوصاً في مجتمعاتنا الحديثة المعقدة. قد لا نختلف في أن الحاجة المبدئية إلى نوع من التعليم العام الشمولي –بصفة جزئية- ، ولكن تبقى المواهب والاستعدادات الفردية المتخصصة من أغلى الموارد الاجتماعية التي ينبغي استثمارها. نحن مطالبون أخلاقياً أن نقوم بهذا الواجب في استكشاف وتنمية المواهب والاستعدادت النادرة والمتميزة لمصلحة الجميع.


 

للنقاش:

  1. أي منهما أصح موقفاً من وجهة نظرك معلم أ أو معلم ب؟
  2. هل من الممكن حل هذه الإشكالية بين تكافؤ الفرص ومراعاة الفروق والمواهب الفردية؟
  3. ما هو رأيك في كفاءة الاختبارات والمقاييس "الموضوعية"، وبرامج الرعاية الخاصة؟

هناك 7 تعليقات:

طلال الأسمري يقول...

أهم ما يؤخذ على رأي المعلم الأول أنه لا يبالي والتحول الفكري للأفراد وفي ذات الوقت المعلم الثاني لا يعطي فرصة لاكتشاف المواهب المبكرة المدفونة في دواخلهم ، لذا يسعنا القول أن المعلم الأول واقعيٌ في فلسفته وظيفي في نظرته الاجتماعية ، بينما المعلم الثاني مثالي في فلسفته لاهتمامه بتوحيد التعليم واجتماعياً يمكن أن يكون تفاعلياً رمزياً من خلال تركيزه على الفرد وتأهليه بوصفه نواة للنسيج الاجتماعي .

ahmad jubran ahmad almarhabi يقول...

هناك من العوامل التي تعطينا إشارات ودلائل لمستوى ذلك الفرد ونبوغه في مجال ما إذاً فليست الاختبارات والمقاييس الموضوعية إلاعقبة أمام الكثير من الطلبة وهي لا تتمع بكفاءة أو مقدرة للحكم على الأفراد فإذا ما أردنا أن نحل هذه الإشكالية علينا أن نساهم في إعطاء الطالب الجامعي فرصة لأن يمتلك أدوات مواجهة التنافسية وتحقيق الجودة

عارف يقول...

من المحاورة يتضح أن المعلم أ فلسفياً واقعي حيث يميل إلى وضع مقاييس إنسانية تقسم الطلبة حسب استعداداتهم الخاصة , واجتماعياً وظيفي لحواره الواضح المعبر عن الحقائق التي اكتشفها ويرى أن المجتمع هو الذي يقود التغيير وهذا من أهم خصائص الوظيفية . أما المعلم ب فلسفياً وجودي حيث يركز على النشاط الفردي والمسؤولية الفردية , واجتماعياً مزيج بين التفسيري التأويلية والصراعية حيث كان يعتمد في حواره على صنع الحقائق من كلام الناس , وكذلك ميله إلى أهمية النزاع بين المجموعات التي يتكون منها المجتمع التعليمي وسعيها لتحقيق أهدافها الخاصة .وأنا أرى أنه لابد من مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب وذلك بعرض الأنشطة المتنوعة وطرق التعليم المتنوعة التي تجذب جميع فئات الطلاب مما يجعل الفرص متكافئة بين الطلاب في التعلم حيث يميل كل طالب إلى ما يعجبه من نشاط أو طريقة تعليمية وهذا ما تميل إليه المدرسة البراحماتية حيث تهتم برغبات الأفراد وحاجاتهم وقدراتهم باعتبارها عوامل تؤثر في المناهج والطرق التعليمية لذلك يجرى في المدرسة البراجماتية أنشطة متنوعة المجالات والأحجام لمجموعات الطلاب لتساعد الأفراد على تعلم المهارات الاجتماعية ومهارات التواصل الضرورية للنجاح لأن الجماعة هي الطريق الذي ينضج الفرد من خلاله .

majed يقول...

إن الموهوبين و المتميزين هم إضافة مهمة لأي مجتمع من الواجب مراعاتها و العمل على الاستفادة منها ، لأنهم الركيزة التي ستبني المستقبل و تسيير عجلة التنمية .
أليس من الظلم تدريس جميع الطلاب كل المقررات فالمميز سيدرس امور اقل من مستواه لكي يعادل واقع زميله المتوسط الذي بنيت على مستواه المناهج وبذلك نضيع عليه وقت ثمين يمكن استغلاله بشكل أفضل بينما نظلم زميله الضعيف في دراسة امور لا يمكن أن يفهمها أو تتمشى مع إمكانياته وبذلك نلزمه بما هو فوق طاقته .
هل يمكن أن نراعي الجميع ؟ الإجابة في رأيي انه ممكن و ذلك بتعليم الجميع كل المقررات و لكن هناك صفوف لمن تبرز عندهم مواهب خاصة تحاول تنمية هذه القدرات و تطويرها ليستفيد منها المجتمع . ولعل مؤسسة الملك عبدالعزيز و رجاله لرعاية الموهوبين مثال حي أتمنى أن تتكل جهودهم بالتوفيق للوصول إلى الغاية المنشودة .

عيسى يقول...

معلم أ يميل إلى المدرسة الوظيفية التي ترى أن المجتمع نظام تعمل شتى أجزائه سوياً لتحقيق الاستقرار والتضامن بين مكوناته ، فهم يرون استخدام الاختبارات والمقاييس لتحديد ميول الأفراد وتحقيق أهداف المجتمع . وقريب من الفلسفة الواقعية لأن الواقعيون يعتمدون على الامتحانات الموضوعية المقننة في اختباراتهم لإنجاز الطلبة والواقعي الحديث يصمم الامتحانات التي تحقق صدقها وثباتها ثم يخضعها لتحليل الفقرات وبقية عمليات التقويم الإحصائية ثم يقارن علامات الطالب مع المعايير المصممة والمؤشرات الإحصائية ليقرر درجة حسن الإنجاز, معلم ب هذا القول هو ما تؤكده الفلسفة الوجودية لأن الامتحان يتم من خلال الحوار ودراسة إنتاج الطالب وتقويم عمل النفس لكي يظهر الفرد قدراته ومواهبه. يظهر على هذا الرأي مدرسة الصراع لأن فيه تعارضاً بين مصلحة الأفراد وهي اكتشاف مواهبهم وقدراتهم بأنفسهم ومصلحة الجماعة وهي تقديم التعليم العام الغني والعميق معرفياً للطلبة ويترك لهم مجالاً للتخصص ولتطوير المواهب والقدرات الفردية في مرحلة التعليم العالي

ABDULAZIZ يقول...

أرى أن المعلم ( أ ) تغلب عليه فلسفياً ( المثالية ) لأنه وضع المعايير الخارجية للكشف عن الإبداع أما اجتماعياً فهو أقرب إلى ( الصراع ) وذلك لما يدعو إليه بعمل طبقات في التعليم ، أما المعلم ( ب ) فلسفياً ( وجودي ) لأنه قال بأن المعايير يجب أن تنبع من قدرات الطالب وهذا ما يراه الوجوديون لأن إبداع الفرد لذاته هو أهم مظاهر الإبداع لديه والمعايير عندهم تقوم على الإبداع الفردي ، أما اجتماعياً فيميل إلى ( الرمزية ) لما يراه من إتاحة الفرصة للفرد لأكبر وقت ممكن، أما وجهة نظري تتفق نسبياً مع كل منهما فأجد أن الاختبارات والمقاييس لا تكفي وحدها لتحديد الموهبة بل يجب مراعاة جانب الملاحظة من قبل المدرسة وأولياء الأمور .

مسفر السليمي يقول...

في هذا الشأن أرى بصحة رأي العلم أ بضرورة استخدام الاختبارات والمقاييس المعينة على كشف الفروق الفردية مبكراً والتعامل معها حسب ما تقتضيه حاجة كل فرد لضمان الإستفادة من جميع القدرات لمنفعة المجتمع وهو من أهم أدوار التربية , وقد قال صلى الله عليه وسلم"أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم ", نعم أرى أن هذه الطريقة أنسب الطرائق للجمع بين الفروق الفردية ومبدأ تكافؤ الفرص ولو لم تصل نسبة صدق هذه الاختبارات إلى 100% إلا أنها مؤشر قوي يمكن من خلاله استشراف مستقبل الطالب حتى لا تكون الفرصة المتاحة له فقط سبباً لهدر طاقاته ووقته قبل أن تكون هدراً لطاقات المؤسسات التعليمية